الاقتصاد العالمي.. نتائج ما بعد الأزمة :: كريس غيلز

image

 

الاقتصاد العالمي.. نتائج ما بعد الأزمة

كريس غيلز

يتنهد صانعو السياسة العالمية بارتياح مع دخول العالم عام 2010.

من النادر أن يبدو الاقتصاد العالمي مزعزعاً كما كان عند بداية العام الماضي، غير أن العودة التدريجية إلى الوضع الطبيعي كانت العبارة التي اختار جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، أن يستخدمها خلال هذا الشهر حين كان يتحدث نيابة عن جميع مصرفيي البنوك المركزية البارزين.

تولد هذا التفاؤل الحذر من النمو السريع في البلدان الناشئة، وتعافٍ سريع في التجارة العالمية في الوقت الذي بدأت فيه الشركات بإعادة مخزون البضائع، والنجاح الواضح للحافز النقدي والمالي في معظم الاقتصادات البارزة.

غير أن قلة تعتقد أن عام 2010 سيكون عام إبحار سهل. ويتحدث ستيفن كينغ، كبير الاقتصاديين في بنك إتش إس بي سي، نيابة عن العديد من الاقتصاديين بالقول إن السيناريو المتفائل للنمو الثابت، والتراجع في مخاطر الانكماش، والارتفاع الثابت في معدلات الفائدة، أمر «أروع من أن يكون حقيقياً». وبناءً عليه، من المحتمل ألا يشهد العام المقبل أزمة أخرى، وإنما يتحمل آثاراً دائمة ناتجة عن الأزمات المالية والاقتصادية التي بدأت عام 2007، واستمرت إلى عام 2009.

في الوقت الحالي، وبعد أن انتهى دور الأسر الأمريكية كمستهلكي الملجأ الأخير، يبقى السؤال الكبير المطروح هو من سيدفع نمو الطلب العالمي. وما زالت الحكومات تعمل على تحفيز اقتصاداتها، وتعيد شركاتها بناء المخزون، ولكن المصادر المستدامة للطلب المتزايد ليست واضحة بعد.

لا يمكن استبعاد الطرف الثاني للانكماش العالمي في الاقتصادات المتقدمة، فإذا تراجع الطلب، ستكون مصادر التمويل الحكومية أكثر امتداداً. وإذا تم تفادي انكماش مزدوج – كما يتوقع معظم الاقتصاديين – يبقى هنالك الخوف من أن نمو طلب القطاع الخاص سيكون محدوداً بسبب البنوك وأسواق العمالة الضعيفة.

استمتعت الاقتصادات الأوروبية الكبيرة، فيما عدا إسبانيا، بمعدلات انخفاض متوسطة على نحو مدهش في قطاع التشغيل، غير أن الهبوط الناتج عن ذلك في إنتاج الموظف حين حشدت الشركات العمال، يوحي بأن من غير المحتمل أن يعمل التعافي على تحسين معدل التشغيل، وربما يثبت أنه لا يولد الوظائف.

أما الولايات المتحدة، حيث تم إلغاء الوظائف بسرعة، وارتفعت الإنتاجية المحسوبة، فإن أمامها مهمة مختلفة، ولكن صعبة على نحو مماثل، وتتجسد في مساعدة أولئك العاطلين عن العمل ــ وتحديداً موظفي الإنشاءات والتصنيع سابقاً ــ على إيجاد أنواع مختلفة من التشغيل.

بحلول نهاية هذا العام، سيعرف العالم المزيد بشأن الضرر الدائم الذي أحدثته الأزمة المالية والاقتصادية المزدوجة. فهل سيتلاشى ما يقارب 8 في المائة من الإنتاج العالمي على نحو دائم، أم يبدأ التعافي السريع بانتزاع الضرر الذي أحدثه الانكماش؟

إذا حدث التلاشي، سيتحتم على المليارات من الناس البدء بالتأقلم من جديد مع عالم أكثر فقراً مما كان متوقعاً – بادخار المزيد، وقبول الضرائب الأعلى، والاستهلاك الأقل للسلع والخدمات. ومع تقدم العام، سيتوجب على الحكومات أن تبدأ بطرح هذه الآلام، والتحرك من الحافز باتجاه التشدد لإرجاع مصادر التمويل العامة إلى مستويات مستدامة. ويتوقع صندوق النقد الدولي أنه إذا استمرت السياسات الحالية، فإن أستراليا، كندا، وكوريا الجنوبية سيكون لديها إجمالي دين عام أدنى بكثير من نسبة 90 في المائة من الدخل القومي في عام 2014.

كانت تلك العتبة مهمة في الماضي، حسبما تقول كارمن رينهارت من جامعة ميرلاند، وكينيث روجوف من جامعة هارفارد في بحث جديد، لأنه يبدو أن الدين الحكومي، فوق كل شيء، يعمل على قمع النمو في الاقتصادات المتقدمة.

إن الأرقام ليست دليلاً على مشاكل النمو في المستقبل. ويقول وليم بويتر كبير الاقتصاديين في بنك سيتي، إنها مجرد «علاقة تاريخية، وليست توقعاً، لذا فإنها مؤشر (لمشكلة أوسع نطاقاً) تماماً مثل إيجاد فأر في حسائك.

يستنتج الأستاذان رينهارت وروجوف أنه: في أدنى الحدود، من شأن ذلك أن يشير إلى أن قضايا إدارة الدين التقليدية يجب أن تكون في واجهة مخاوف السياسة العامة.

غير أن تنفيذ سياسات العجز الذي يتمتع بالصدقية وتخفيض الدين، سيعقد المهمة الصعبة فعلياً المتمثلة في إعادة السياسة النقدية ومعدلات الفائدة إلى المستويات العادية على نحو أكثر. وعلى الرغم من أن الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، بدأوا جميعاً بتخفيف أساليبهم غير التقليدية لتحفيز الاقتصاد تدريجياً، إلا أن حدوث ارتفاعات كبيرة على معدلات الفائدة يبدو أمراً بعيد المنال.

غير أن الضغوط لتحريك السياسة النقدية على نحو أقرب إلى المستوى الطبيعي تزداد كثافة، بينما تعمل معدلات الفائدة المتدنية بشكل استثنائي، مع تشجيع النشاط الاقتصادي الحيوي في الوقت ذاته، على التهديد بتوليد منهج اتخاذ مخاطر غير مسؤول من جانب المجتمع المالي.

يبقى العالم بعيداً للغاية عن الاتفاق على إطار تنظيمي عالمي جديد للخدمات المالية. وهناك اتفاق على نطاق واسع على أن البنوك يجب أن تصبح أكثر أماناً، مع وجود ضوابط أشد على رأس المال، ويجب أن يكون التنظيم المالي دولياً بالنسبة للشركات المهمة، وأنه يجب أن يكون هناك تهديد جدير بالصدقية للسماح للشركات المالية بأن تفشل في المستقبل، وربما تكون هناك حاجة إلى دعم مخصصات الأزمات الشاملة في المستقبل في حال فشل أي شيء آخر.

لكن رغم الاتفاق على المبادئ العريضة في قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في بيتسبيرج في العام الماضي، حسبما يشير جون ليبسكي، النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي: تجب معالجة المقايضات المهمة – والتغلب على العوائق السياسية – قبل أن نتمكن من الاستفحال.

جميع هذه التصحيحات والإصلاحات والتخمينات ستحدث في اقتصاد عالمي يبقى غير متوازن، وحيث سياسات العملة ما زالت أمراً شديد الحساسية من حيث مناقشته.

لن يكون اختبار المشهد الاقتصادي في عام 2010 ما إذا كان الاقتصاد العالمي يبدأ في النمو مرة أخرى، بل سيكون ما إذا كنا أقرب إلى إيجاد الحلول للطلب المستدام، الطاقة الضائعة، الاندماج المالي، التطبيع النقدي، التنظيم المالي، والاختلالات العالمية.