التكلفة الخفية للقاحات المجانية تؤثر في استدامة الإنتاج
التكلفة الخفية للقاحات المجانية تؤثر في استدامة الإنتاج المنارة- وكالات إحدى حملات التطعيم التي يدعمها تحالف جافي ألاينيس، وهي المجموعة التي تجمع التبرعات الحكومية والخاصة في سبيل تقديم الدعم المالي للقاحات في 72 بلداً من أفقر بلدان العالم. من الشائع في صناعات التقنية والإعلام إعطاء المنتجات بصورة مجانية، من برامج التصفح على الإنترنت إلى المقالات الصحافية. هذا الاتجاه العام انتشر الآن إلى اللقاحات. شركات الأدوية، التي أصيبت بكدمات بفعل سنوات من المعارك في جبهة العلاقات العامة مع أصحاب الحملات حول أسعار أدوية الإيدز في إفريقيا، هذه الشركات تواقة الآن إلى عدم الوقوع في مأزق أنفلونزا الخنازير. أندرو ويتي، كبير التنفيذيين في شركة جلاكسو سميث كلاين GSK ، عرض أن تتبرع الشركة بخمسين مليون جرعة من لقاح أنفلونزا الخنازير إلى منظمة الصحة العالمية. استطاع ويتي بذلك ركوب موجة الرأي العام. فقد حضت مارجريت تشان، المديرة العامة للمنظمة، على «التضامن» مع البلدان الفقيرة بشأن فيروس الأنفلونزا. بذلك اضطر دانييل فاسيلا، كبير التنفيذيين في شركة نوفارتيس للأدوية، بفعل الضغط الأدبي من ويتي وتشان، إلى الدفاع عن حافز الربح. وقال أخيراً إن شركة نوفارتيس لا تريد اقتفاء مثال شركة جلاكسو سميث كلاين من خلال التبرع بجرعات اللقاح الذي تعتزم تصنيعه لأنه إذا أردتَ أن يكون الإنتاج مستداماً فلا بد لك من خلق حوافز مالية. فاسيلا، الذي يعتبر في العادة من أذكى التنفيذيين في مجال العلاقات العامة، وضع نفسه في زاوية غير مريحة، ولكنه على حق. لأسباب تتجاوز القيمة العامة للأسواق الحرة وآلية الأسعار، فإن تقديم اللقاحات الجديدة في البلدان النامية بسعر رخيص هو أفضل من تقديمها مجاناً. الجدل حول لقاحات إنفلونزا الخنازير هو علامة على الأمور المقبلة، لأن اللقاحات تبرز الآن باعتبارها أحد المجالات التي ترجو فيها الشركات القيام بابتكارات. يقول مارك بولي، وهو أستاذ لإدارة الرعاية الصحية في كلية وارتون لإدارة الأعمال: ويقول بولي في هذا الصدد: تمر اللقاحات في طور النهضة، بعد أن كانت راكدة من الناحية المالية، لتصبح الآن مصدراً حقيقياً للأرباح المستقبلية. النقص الشديد في الأدوية التقليدية لا يزال يؤرق شركات الأدوية، ولكنها طورت لقاحات ضد جدري الماء، وفيروس الجهاز الهضمي وسرطان العنق. لقاح بريفنار، الذي طورته شركة وياث الدوائية لمكافحة التهاب السحايا (بفعل التلوث من المكورات الرئوية) حقق نجاحاً مذهلاً، حيث بلغت إيراداته السنوية ثلاثة مليارات دولار (1.8 مليار جنيه إسترليني، 2.2 مليار يورو). هذا اللقاح كان عاملاً في استحواذ شركة فايزر الصيدلانية على شركة وياث بقيمة 68 مليار دولار. عالم اللقاحات في أواخر القرن العشرين كانت تهيمن عليه أجهزة شبه حكومية. طور جوناس سوك اللقاح المضاد لشلل الأطفال في عام 1954 من خلال التمويل المقدم من المؤسسة الوطنية لشلل الأطفال. أما ابتكارات اليوم فإنها ناتجة عن تخفيف الضوابط على الأسعار. يقول أندي باسترناك، وهو شريك لدى شركة بين أند كومباني الدوائية، إن اللقاحات تساهم الآن لغاية 20 في المائة من إيرادات الشركات التي من قبيل شركة ميرك الصيدلانية ومجموعة جلاكسو سميث كلاين. كذلك فإن شركات الأدوية تحب اللقاحات لأنه لا توجد منافسة تذكر من شركات الأدوية المقلدة، إلى جانب وجود عوائق دخول عالية. إن محاكاة أحد اللقاحات أمر أصعب بكثير من محاكاة أحد الأدوية التقليدية. على الرغم من ارتفاع أسعار اللقاحات (اللقاحات الجديدة يمكن أن تكلف ما بين 50 إلى 100 دولار لكل علاج) إلا أنها تعتبر قيمة طيبة بالنسبة لأجهزة تقديم الرعاية الصحية. من الأرخص بالنسبة لشركات التأمين أو الحكومات تطعيم الناس ضد الأمراض، وهو أفضل لها من تقديم الأدوية والعلاج أثناء فترات اندلاع الأوبئة. مع ذلك إذا كانت شركات الأدوية تحقق الآن أرباحاً طيبة إلى هذا الحد من اللقاحات في البلدان المتقدمة، فلماذا لا تتبرع مجاناً إلى البلدان النامية في سبيل إنقاذ أرواح الأطفال الفقراء؟ الفكرة مغرية، ولكن هناك سببان يدفعان شركات الأدوية إلى فرض ثمن مقابل اللقاحات. الأول هو أنه إذا لم تدفع البلدان النامية مقابل اللقاحات فإن هناك خطراً بأن تتوقف شركات الأدوية عن إنتاج كميات كافية منها. اللقاحات لها تكلفة إنتاج هامشية مرتفعة، لأنه لا بد من زراعتها في بيوض وتخزينها وتوزيعها بعناية. رغم أن شركات الأدوية الغربية لا تحب أن يُطلَب منها أن تبيع أدوية الإيدز بأسعار رخيصة في إفريقيا، إلا أن بإمكانها تغطية تكلفتها الهامشية مقابل أسعار زهيدة. صناعة اللقاحات تستهلك الكثير من رأس المال، كما أن الخسائر الناجمة عن توزيعها مجاناً تتراكم بصورة سريعة. التضامن الزائد عن الحد يمكن أن يؤدي إلى غياب الإنتاج، كما فعل في الولايات المتحدة في الثمانينيات، حين تم تسعير لقاحات الأطفال الرئيسة الستة، بما فيها لقاح الحصبة وشلل الأطفال، عند مستويات متدنية إلى درجة أن عدداً من شركات إنتاج اللقاحات خرجت من الصناعة. الثاني هو أنه في حين أنه توجد منافع للتبرعات التي تقدَّم لمرة واحدة من اللقاحات المضادات للأوبئة المنتشرة بين البالغين مثل أنفلونزا الخنازير، لا جدوى من أن يقوم أحد البلدان النامية بتطعيم الأطفال في سنة معينة من اللقاحات المجانية إذا لم يكن بمقدوره متابعة البرنامج من موارده المالية. والواقع أن الهدايا التي تعطى لمرة واحدة من لقاحات الأطفال يمكن أن تسبب من الأذى أكثر من مما تسبب من النفع. يمكن للبلدان النامية أن تحصل على منافع أفضل بكثير من اللقاحات المجانية إذا عُرِضت عليها أسعار رخيصة مضمونة للقاح معين على مدى عدة سنوات، ما يمكنها من تخطيط برامج التطعيم على النحو السليم. الأمر المهم تماماً ليس هو المبادرات التي تقدم لمرة واحدة، وإنما تكلفة اللقاح على المدى الطويل. وإن عرض مجموعة جلاكسو سميث كلاين بالتبرع بخمسين مليون جرعة من اللقاح المضاد لأنفلونزا الخنازير صاحبه التزام بتزويد اللقاح في مختلف أنحاء العالم بأسعار متدرجة على طبقات، بمعنى أن يباع بسعر رخيص في البلدان النامية وسعر أغلى في البلدان المتقدمة. هذا المنهج يجري إتباعه الآن من قبل «جافي ألاينيس» Gavi Alliance ، وهي المجموعة التي تجمع التبرعات الحكومية والخاصة في سبيل تقديم الدعم المالي للقاحات في 72 بلداً من أفقر بلدان العالم. يوجد لدى جافي برنامج قيمته 1.5 مليار دولار، تعهدت الشركات بموجبه والتزمت بتقديم اللقاح المضاد لالتهاب السحايا على مدى عشر سنوات بأسعار رخيصة. يبدو أن فكرة الأسعار المرتبة في طبقات للقاحات الجديدة تسير بنجاح. تستطيع بلدان أمريكا اللاتينية شراء لقاحات ضد فيروس الجهاز الهضمي، الذي يسبب الإسهال، مقابل ستة دولارات لكل علاج، في حين أن السعر الذي يدفع في الولايات المتحدة مقابل ذلك هو 80 دولاراً. ربما أخذت شركات الأدوية تدرك مزايا هذه الفكرة. وربما لم تزد على أن تعلمت درساً في العلاقات العامة. بصرف النظر عن السبب في تصرفها، فإن التسعير المتغير يعطي أفضل الآمال بالجمع بين حافز الربح مع الدافع الإنساني. ربما يبدو أن التبرع باللقاحات وكأنه أكثر دلالة على الكرم (من بيعها بسعر رخيص)، ولكن التكلفة الخفية عالية على نحو يفوق الحد.
