أفريقيا ضحية ثرواتها :: ميشال مرقص
أفريقيا ضحية ثرواتها ميشال مرقص أنهى المنتدى الاقتصادي في دافوس أعماله، بعدما استعرض المشاركون فيه مشاكل العالم الاقتصادية والمالية والمناخية خلال أسبوع برزت فيه خلافات في وجهات النظر حول آليات ضبط موازين الاستقرار الاقتصادي، وتقليص الفوارق الاجتماعية بين البشر. وما فات المنتدى، لمّح إليه الاتحاد الأوروبي، الذي حذّر مكتب المساعدات الإنسانية فيه من أن ملايين الأشخاص معرضون لخطر المجاعة وسوء التغذية في أفريقيا الغربية، بخاصةٍ في النيجر، تأثراً بالجفاف الذي أصاب محاصيل زراعية. وتهدد أزمة غذائية قاسية 2.7 مليون شخص في النيجر ويقدّر النقص في محاصيل الحبوب بمليون طن، كما يتعرض 5 ملايين آخرين لخطرٍ أخف. ويصيب النقص في الإنتاج الغذائي، النيجر وتشاد وشمال بوركينا فاسو وشمال نيجيريا. ويأتي تحذير الاتحاد الأوروبي، ليعيـد المفارقة الأفريقية إلى الواجهة. فالقارة التي تعتبر خزاناً أولياً وحيداً من نوعه للمواد الأولية، هي الأشد فقراً في العالم، لم تنشلها خمسون سنة من موجة الاستقلال التي اجتاحت بلدانها في ستينات القرن الماضي. بل باتت تلعب دوراً كبيراً في اقتصاد الكوكب، وتثير شهوة بلدان للتوسع مثل الصين، وشهية مؤسسات متعددة الجنسية، التي على رغم الأزمة حققت في أفريـقيـا أرباحاً وافرة. ويرى خبراء، أن مؤسسات المال العالمية والدول المانحة، تستخدم سلاحين في توجيه الأمور في القارة: المال (مساعدات، رفض إلغاء قروض خانقة) والحقوق ( تحديد معايير حقوقية عبر الاتفاقات والمؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية)، والسلاحان مشكوك في جدواهما. وتبدو القارّة مطيعةً لهذه المؤسسات، بحيث بدت الأكثر انفتاحاً للتبادل الحر، بحسب ميزات هذا النظام عالمياً. لكن الأقنعة تسقط في سرعة. ففي أفريقيا، أسرع من أي مكان في العالم، تُترجم السوق الحرة بالجوع، وبعدم المساواة القاتلة، حيث 44 في المئة من سكان المناطق جنوب الصحراء يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم. هذه الدول الضعيفة أو الشريكة مع دول متقدمة، تركت المؤسسات المتعددة الجنسية تستثمر بلا خجل، مستخدمةً أُجَراء محليين بحقوق مجهرية ما يغذّي حروباً، يعتبر شرق الكونغو مع مواده الأولية الوفيرة وميليشياته المسلحة، مثالاً. وإذا كانت الإحصاءات تفيد بأن أفريقيا لا تمثل سوى 2 في المئة من التجارة العالمية، فهي تعني حتماً أن القارة مهمّشة، لأنها تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي. ونظراً إلى كونها تختزن 30 في المئة من مكوّنات المناجم في العالم، تعتبر من المناطق صاحبة الامتياز الأكثر جذباً للدول وللمؤسسات المتعددة الجنسية. وتتمتع القارّة، في خريطتها الاستراتيجية للموارد بكل نوع، بخاصة الجيّد منها مثل النفط، الحديد والذهب. وتعتبر مفيدة للاقتصاد العالمي، تمده بالمحروقات ومنتجات المعادن الأساسية. لكن السكان المحليين لا يستفيدون مطلقاً، ولا يبقى أمامهم سوى الهجرة. فتراب القارة الذي يختزن 30 في المئة من معادن العالم، يعتبر مهمّاً جداً، بخاصةٍ عند معرفة ذروات أنواع المعادن، حيث 80 في المئة من موارد العالم من الـ «كولتان»، الذي يُستخدم في صناعة أجهزة الهاتف الخليوي، موجود في أفريقيا، و90 في المئة من البلاتين، و50 في المئة من الماس و40 في المئة من الذهب. هذه الثروات لا تطفئ شهوات المؤسسات المتعددة الجنسية، التي تمهّد لها دولُها مناخات الاستثمار، باتفاقات واهنة تسهّل لها وضع اليد على الثروات، وتتنافس عليها، في خلق محاور اضطراب وقلاقل. كما تثيرُ الزراعة والأرض الشهيات أيضاً، بعد أن أُدخلت استثماراتٌ عملاقة لشركات أميركية تعتمد البذور المعدلة جينياً وهي مرفوضة من السكان الأصليين. وإذا كانت أفريقيا غنية بالثروات فإنها تخضع لعمليات إفقار. وغالباً ما تشكو دولها التي تمتلك موارد وثروات أكثر، من تأخير في محاربة البؤس والقضاء عليه. وتبقى، - نتيجة أنظمة قاسية وسياسات التبادل الاقتصادي الحر، واعتماد نيوليبيرالية تنصح بها مؤسسات مال عالمية، - قارة الفقر واللامساواة، في وقت تنقلب موازين مناطق أخرى من العالم، نحو الأفضل. لهذا صارت الهجرة رهاناً، يبدو ذات مظهرٍ إنساني بقدر ما هو اقتصادي، قياساً إلى المبالغ التي يحوّلها المهاجرون إلى بلدانهم الأم. ويعزز الهجرة تهديم نشاطات صيد الأسماك، حيث 9 ملايين أفريقي من 35 مليوناً في العالم يعتاشون من الصيد مباشرة. وتقع غالبية مناطق الصيد الأفريقية في دول جنوب الصحراء المفرطة في الديون. لذا تبيع حقوق الصيد إلى مؤسسات يابانية وأوروبية وكندية. وافتقر المزارعون الأفارقة أيضاً نتيجة دعم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي، قطاع الزراعة لديها بمبلغ 350 بليون دولار عام 2006، ما عرقل تصدير الإنتاج الزراعي الأفريقي إلى أسواقها، فحصل تهديم منظم لقطاع محاصيل الزراعات الغذائية في أفريقيا، وحصلت موجات هجرة قسرية، ونزوح بعد إهمال الزراعة. هذا التعسف تجاه القارّة أدى إلى ازدياد عدد الأفارقة في سوء التغذية من 81 مليوناً عام 1972 إلى 203 ملايين في 2002، ما حتّم الخلافات في مؤتمرات منظمة التجارة العالمية، وداخل مؤتمر كوبنهاغن للمناخ. فهل تستفيد القارة من خزانات ثرواتها الدفينة؟
