مظفر النواب... من خطاب الندرة والظل.. الى فضح المستور :: عبدالكريم نوري شنين

مظفر النواب... من خطاب الندرة والظل.. الى فضح المستور

عبدالكريم نوري شنين

(1)

قلة هي الشخصيات التي فرضت حضوراً على مسرح الحياة السياسية والادبية في وقت واحد. مظفر النواب هو احد هذه الشخصيات اذا ما اعتبرناه رمزاً لهذه الصورة الثنائية (الثقافي/ السياسي) وهذا ما يحيلنا الى الوقوف عند "النواب" بتأنٍ خشية من الاخفاق لان النواب يمتلك رؤية متفردة في قراءة الواقع وحيثياته بدلالات متعددة، طفولته، دراسته، وعيه السياسي المبكر ونشأته الغريبة، وتشظي ذاته، لن يتأتى فرض لانطلاقته من دون امتلاك زاد معرفي وقراءة ثاقبة للواقع الاجتماعي. فالمعرفي يهب القدرة على تصور فكري او سياسي.

فيما يذهب اليه، قواعد الآخر وخلقة الثقافي الذي ينوجد فيه. ذلك ان مخاطبة المتلقي الذي بينهما مشترك (الهم، الهوية) هي المشترك في الخطاب الشعري تفترض قناة تواصل يحقق فيها الطرف الاول -الشاعر- ما عمل على صياغته وبلورته. كما يألف فيها الثاني –المتلقي- حلمه الذي يتوق وينشد الى ايجاد صوت بمعادل موضوعي لهمومه عبر وجود مكون الزمان والمكان. فالنواب عبر قراءتنا له نجده حالة متميزة بين اقرانه استطاعت كلماته ان تبقى عالقة في ذاكرة جمهرة كبيرة من المتلقين واسس لمنظومة الشعر الشعبي مع مجموعة من الشعراء مثل عريان السيد خلف- ابوسرحان- كامل الركابي- علي الشباني واسماء اخرى ويجب ان نقف عند نقطة هامة هي –ان النواب- سياسي تلبس في رداء شاعر. او شاعر تلبس في رداء سياسي. هنا نقف عند اشكالية حل طلاسم هذه الشخصية التي تقترب من "الاسطورة".

ان الأثر لا ينخلق في العمق، الا في اللحظة التي يتأسس فيها الخطاب السياسي والفكري عبر ثنائية (ثقافي/ سياسي) على الوضوح وتعرية الاشياء فالعديد من القضايا التي تمس الهم الانساني نظر اليها البعض نظرة عابرة. كأن الحاصل بالفعل هو التواطؤ لكن النواب أنطلق من هذه النقطة تحديداً "كشف المستور ومقاومته والوقوف ضده بقوة. بدءاً من عقد الخمسينيات وحتى يومنا هذا" فهو متفرد في قدرته على مهاجمته للحكام العراقيين والعرب دون خشية وقدم قصائده على مسامع الحكام حتى حمل حقائب الترحال وراح يتغرب هنا وهناك حتى اصبح وجهاً من وجوه الغربة والترحال لانه رمز من رموز الشعر العربي الذي استطاع فضح المستور- وهو الفعل المغذي لتحريك الشارع العراقي في الستينيات- وهو الان يسجل حضوراً عربياً واستطيع القول- لقد وجد الانسان العراقي والعربي في هذا الرمز (الندرة) ذاته واحاسيسه التي بحاجة الى متنفس، فيما اغلق المتلقي في المقابل لم يتمكن من الاستمرار مع مجموعة من الاسماء هي بمثابة ظلال لمن سلف الحديث عنهم، ان ما اسسته هذه الظلال ليس في حقيقته سوى صورة لخطاب الندرة- عريان السيد خلف- كاظم الركابي- ابوسرحان وان مرجعية هذه الندرة هو فكر سياسي وقراءة للواقع عبر معاينة ومعايشة حقيقية. اذاً الهم العراقي الذي بلورت شاعرية العديد من الاسماء الذين نحن الان ليس بخصوص الخوض في منجزهم الشعري بل موضوعنا معني بالشاعر مظفر النواب.

ألقيت مفاتيحي في دجلة أيام الوجدِ

وما عاد هنالك في الغربةِ

مفتاحٌ يفتحني

ها أنذا اتكلم من قفلي

مَنْ أقفِل بالوجد وضاع على ارصفة الشام

سيفهمني

-مظفر-

تحيلنا هذه الصورة الشعرية الى انه قرر ان يختار المكان الذي يمارس فيه طقوسه الشعرية ويمارس طقساً ذات ابعاد مكانية متشابهة في القسوة.

ولكي يقرأ المتلقي حيثيات القصيدة التي كتبها قبل رحلته الاخيرة الى منفاه.

لابد ان نذكر الصورة التي يجب أن نقف عندها قبل العودة الى آخر قصائده الاخيرة في بغداد.

"وسيعرف كل الأرقام وكل الشهداء وكل الاسماء

وطني علمني أن اقرأ كل الاشياء"

فهو في هذه الصورة يقدم لنا نصحاً قرائياً لواقع مرير نستطيع ان نجده في العشرات من قصائده التي لا تحمل الترميز بقدر ماهي صورة حقيقية ما ان يطلع عليها المتلقي حتى يجدها حقائق محسوسة.. فالنواب انطلق من محسوسات الواقع العراقي الذي عاشه فيقدم لنا اسئلة تحمل اجوبة في صورة شعرية تحمل دالة تاريخية مختومة باسماء اصحابها حاولت اسقاط الزمن من قصائده فوجدته يوثق لمأساة امة باكملها.

يا بو محابس شذر يلشاد خزامات

يا ريل بلله ابغنج من تجزي ام شامات

ولا تمشي مشية هجر

گلبي بعد مامات

وهودر هواهم ولك حدر السنابل گطه

قصيدة سعود هي محاولة من –النواب- بقصدية توظيف الرموز الثورية التي حاولت ان تجد لها مكاناً نضالياً في الريف والخروج من دائرة الزمن الاقطاعي لبناء ريف واعٍ يقف على ارضية جماهيرية- فبعد ان احست الدولة بخطورة سعود قتلته فاصبح رمزاً من خلال قصيدة النواب، لان الرمز لا يمكن تجاهله باي حال حين يناديه –النواب- (المقصود سعود).

"لا تامن حچي، بلا ساس، يا بيرغ الشرجية

عين الذيب، عيب تنام، من اتصوفر الحية"

ولا ننسى ان مظفر النواب ذات نشأة في ذات الآخرين وكتب عام 1964 اغنية عن النبع الذي يسهر وهي صورة لذاته التي تعاني الاغتراب الذي عاشه كونه كائن يمتلك من الاحساس المرهف وخصوصية المبدع فكتب قصيدة زرازير البراري، وهي اغنية خاصة..

حن... وآنه احن...

وتنحبس ونه...

ونمتحن

مرخوص بس كت الدمع

شرط الدمع

حده الجفن

جفنك

جنح فراشة غض

وحجارة جفني

وما غمض

يلتمشي بيّه،

ويه النبض

روحي عله روحك تنسحن

حن بويه حن

عيونك

زرازير البراري

بكل مرحها

(2 )

ان البعد الدرامي المطلوب في مساحة القصيدة هي نفس الابعاد الفنية في اللوحة كلمة تقابلها ضربة فرشة وبهذا المدى المقارن استطاع –النواب- ان يؤسس لمنهجية شعرية مركبة، نتاج ممارسات تعسفية ضد الثوار واصحاب المواقف النضالية وفن تشكيلي يعتمد الصورة الشعرية، اللوحة قصيدة والقصيدة سرد فني عبر تكوينات واشكال الناس بفعل الألم اليومي كان شكلاً لمدارس تجريدية او واقعية النواب رمى حجراً في مياه راكدة.

لتكون القصيدة للناس والشاعر الذات التي تتأثر وتؤثر في فعل الواقع..

عمر واتعده الثلاثين

بكل نشاط جناحها

بعالي السَحَر

والروح مّني،

عوسجة بر

ما وصل ليها النده

ولا جاسها بگطرة، المطر

وصفولي عنك،

يالنباعي تفيض

واتعنيت

ليلة... ويه الگُمر

وصفولي عنك

كل مساحه تفيض منك عطر...

يلحسنك نهر

تنزل بصدري

ويَه النفس

وبدمي

غصبن تنعجن

وأشهگ...

واصعدك للسمه

بحسرات.. وبعنّه حزن

حن.. بويه حِن

من هذه الصورة الشعرية نستنتج من قدرته على ثنائية (الغزل/ السياسة) هنا تكمن قدرته كمبدع استطاع ان يوظف جميع الانساق الشعرية ليصل الى هدفه بعد ان حمل لواء النضال من اجل خلاص شعبه من حكم الدكتاتوريات.

وهذا الكائن الغرابي –مظفر النواب- البغدادي الاصل والمولد استطاع ان ينطلق بنضاله عبر شعره الشعبي (المفردة العامية الجنوبية) ليكون صوتاً نضالياً ينساب كدجلة- بعد ان ادرك ان في القصيدة الشعبية موسيقى عالية ومفردة صريحة مفهومة ففي قصيدة عشاير سعود 1961...

هذوله احنه...

سرجنة الدم

عله اصهيل الشكِر

يسعود

خلينه زِهِر انجوم

من جدح الحوافر

سود

تتجادح عيون الخيل

وعيون الزلم.. بارود

وياخذنه الرسن...

للشمس

من زود الفرح...

ونزود

يسعود احنه عيب نهاب.. يا بيرغ الشرجية

هذي يشامخ الثوار... تبرج نار حربيه

سعد يسعود..

يمصنگر...

عله الحومه...

غضب أركط

المشهد الثاني –الأخت-

يمثل العلاقة التي تأخذ ابعاد ثلاثية (الشرف- الضعف- الحنو) وهي قد تأخذ صورة تبادلية (الام- الاخت) عناصر مباشرة في هذه المواقف وليست صور ترميز بل هي حالة من شكل الفعل الدرامي الملحمي لنضال الشيوعيين عبر نضال طويل.. اذاً استحالة فصل عناصر فعل اواصر العلاقة التداخلية في بين أي مناضل فالكلمة في حركة الفعل المأساوي (السجين- الأم- الأخت) ولا اعتقد ان النواب يستجدي عطف المتلقي ليتعاطف مع صورة الصمود- بل هو يأخذ بيد المتلقي ليكون جزءاً من فعل حصل لمناضلين وعوائلهم، فتقول:

خويه گابلت السجن حر وبرد ليلي ونهاري

تحملت لجلك شتائم على عرضي

واشعلت بالليل ناري

تالي تهتكني بخلگ وصلة جريده

گرت عيونك يا خويه

بهاي جازيت انتظاري

بهاي أگابل كل اخت تنتظر منك

ثار يا خويه لعرضها

بهاي اگابل امهات الناس وهمومي أفضها

چنت أرضى تدوس بعظامي وگلك حيل رضها

چنت ارضى تذبح ابطني جنيني

ولا براءة عار متبرگع تجيني

ولك كون الگاع تبلعني

شنخبر الناس

والينشد شگله

شلون عيني تجابس عيون المحله

شلون اوصفك وانت كلك عار وذله

بعد مالك عرف ويانه وخبز

لا تصل يمنه

وهاك اخذ عار الجريده

مثل ما تبريت من شعبك

تبرينا من اسمك

يا شعب هذا التشوفه

موش ابنه

يا عمد بيتي

وگمر ليلي وربيع الشيب والعمر الجنيته

جيت أهزك يا عمد بيتي

لكون الدهر ضعضع عظم منك للمذله للخيانه

وسامت جرحك على الخسه وجفيته

يا ابني خل الجرح ينظف

خل يرعف خل ينزف

يا ابني جرح اليرفض شداده علم ثوار يرفرف

يا ابني ابن الچلب

يرضع من حليبي

ولا ابن

يشمرلي خبزه من البراءه

يا ابني يا كلني الجرب عظم ولحم وتموت عيني ولا الدناءه

يا ابني هاي ايام يفرزنها الگحط ايام محنه

يا ابني لا تثلم شرفنا

يا ابني يا اوليدي

البراءه تظل مدى الايام عفنه

تدري يا ابني بكل براءه

كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه

لو توقفنا قليلاً عند البيت (يا ابني لا تثلم شرفنا) الذي يحيلنا الى كيفية تقديس النضال الذي هو صورة من صور الشرف ووجود كوني لدى

الشرقي اذاً تداخل صورة الصمود هو الشرف على الرغم من كل الخطوط الحمراء التي دنسها الجلاد.

قصيدة البراءه بمشهدين (الام والاخت).

اعتقد انها لم تكتب كقصيدة بقدر ما هي تؤرخ لمرحلة مأساوية عاشها الشعب العراقي. هنا نقف لنقرأ هذه الملحمة التي تناقلتها الاجيال لما لها من فعل درامي في صورة الشعر العراقي الذي رافق مرحلة شباط الاسود الذي اعتقد ان العراقيين على مدى التاريخ لا يمكن ان يتناسوها، لان الحكومات دأبت على أخذ البراءات من السجناء، حيث تأتي الصورة الاولى على لسان الام لتشد عزم السجناء وهي الصورة التي وظفها النواب ليجسد فعل الكلمة عبر شحن همم (المناضل/ المتلقي) لتستمر حركية الصمود امام الجلاد في داخل السجن وتواصل النضال السياسي خارج السجن اذاً فعل القصيدة التي يكتب النواب وهو داخل السجن من خلال مشاهدات او مسرودات محسوسة..

يا ابني ضلعك من رچيته

لضلعي جبريته وبنيته

يا ابني خذني لعرض صدرك واحسب الشيب اللي من عمرك جنيته

يا ابني طش العمى بعيني

وجيتك بعين الگلب أدبي على الدرب المشيته

شيلة العلاگه يا بني

تذكر جفوني بلعب عمرك عليهن

سنه وجفوفك وردتين على راسي

وبيك اناغي كل فرح عمري النسيته

يا اللي شوفك يبعث الماي الزلال

بعودي واحيا وأنا ميته

ابيض عيونك لبن صدري

وسواد عيونك الليل اللي عد مهدك بچيته

وابنك التوّه يناغي الخرز بالكاروك يا ابني

گتله لتخاف اليتم جدّه

اللي مامش ابوعده، الحزب أبوه الحزب بيته

گتله يا ابني اوليدي

من تكبر على الأيام تلگه حزام أبوك الما طواني وما طويته

تلگه منه اخطوط اضمهن

حدر ضلعي لحد ما اموت بعز على السر الحويته