بلا مجاملات :: ودقي يا ربابة! :: فيصل عبد الحسن
حلمي بالكتابة عن العلاقة بين العلم والإيمان قديمة، ولتحقيق ذلك الحلم القديم كنت أسجل كل ما اقرأه حول الموضوع، وأتأمله واستنتج منه، حقائق لم أكن أعرفها قبل ذلك، وبعض الذي سجلته ضاع، هنا وهناك ولكن بقي ما بقي في الذاكرة والقلب، وقبل كل ذلك بقيت في القلب والضمير محبة الله تعالى والخوف منه، والاطمئنان إلى مقاديره، ما نظنه ليس خيرا وهو الخير كله يضاف إلى ما نظنه خيرا، بدأت بالتفكير بكتابة سلسلة مقالات حول الموضوع، منذ الثمانينات في القرن الماضي إذ كانت تلك السنوات ضاجة بالأفكار الجديدة والصراعات الفكرية. كان ثمة صراع بين أهل اليسار واليمين، وبين أطراف اليسار ذاته، وبين العلمانيين والمؤمنين، وكانت ساحات الجامعة وأروقة الكليات مكانا للنقاش الفكري بين الطرفين، وقد كانت وقتها مدينة البصرة، مدينة الحضارات القديمة، التي أسسها "عتبة بن غزوان" في بداية الفتح الإسلامي عام 18 هجرية، وقد صارت منذ ذلك التاريخ مكانا لتوليد الأفكار الجديدة، والصراعات الفكرية، وظهور الجماعات الفكرية من أمثال أخوان الصفا، ومدارس دينية كمدرسة الحسن البصري، وابن تيمية، وحركات طبقية، فكرية سميت بحركة الزنج، والبابكية، وسميت أيضا بالخرمية، نسبة إلى مؤسسها "بابك الخرمي" وبعد ذلك المعتزلة والأشاعرة، وكانت المدينة مكانا رحبا لحركات الخوارج والقرامطة. وكنا نحن الطلاب الجدد في الكليات العلمية والأدبية، نرى ونسمع ولا نشارك في الحوار احتراما لمن سبقونا في دروس العلم والتحصيل، وكان ميدان الحوار والنقاش يغري أساتذتنا بالتدخل والمشاركة بالحوار دفاعا عن هذا الجانب أو ذاك، وكنا نرى المنافحين عن الإيمان من الأساتذة، وقد أحاطت وجوههم طاقات نور خفية أو هكذا ما كنا نتصوره، عن أساتذة أجلاء شاركوا طلابهم همومهم في الوصول إلى الحقيقة والمعرفة، لمسائل فلسفية عصية، وصعبة على الفهم والإدراك، ولكن للأسف كان ذلك مراقبا من سلطات أمن الدولة، وكان كل شيء يحفظ لحين الحاجة إليه، وفي اللحظة المناسبة للدولة تمت تصفية المتدينين واليساريين، بمختلف الذرائع والتهم، وأنغلق الناس على قناعاتهم، وبقى صوت الدولة المتفرد وما تمثله من فكر، أعتنقه أيضا أصحاب المصلحة والباحثين عن الفرصة، وتلونوا به حتى صرت لا تستطيع تمييز شكلهم البشري عما يرفعونه من لا فتات وشعارات، طنانة، وكما يحدث الآن بالضبط مع بعض الأحزاب ومع بعض الاتجاهات الفكرية، والدينية، وأولئك أنفسهم الذين كانوا بالأمس مع الحزب القائد صاروا اليوم مع الأحزاب القائدة، ودقي يا ربابة، والوطن يمرض ويذوي يوما بعد أخر، ودقي يا ربابة الفساد والمحسوبية والمنسوبية، والعمالة لدول الجوار، ومسلسل قتل العراقيين. في نهاية السبعينات وكنا شبابا وقتها لم نستطع أن نقرر إلى أي الفئتين ننحاز، وحتى إذا قرر الواحد منا الانحياز إلى إحدى الجهتين، بقي صامتا يستمع لهذا وذاك ليتعلم من الطرفين طرائق الحوار ووسائل الدفاع عن هذه الفكرة أو تلك القضية، وأتذكر أنني كنت قبل أن انحاز لأي طرف منهما كنت قبل ذلك منتميا إلى العلم محبا لطرائقه الواضحة في البحث، والاستدلال وصياغة البراهين العلمية التي لا يأتيها الباطل من أمام أو من خلف أو من شمال أو يمين أو من فوق أو من تحت، مع أيمان فطري بالله الخالق واليوم الآخر، ورثته عن عائلتي، ولكن التطور الجديد الذي طرأ على حياتي الفكرية، هو كيف أربط بين العلم والإيمان؟ وكيف أفسر هذا بذاك؟ ومادام الله هو الحق والقرآن هو الحق، فلا تناقض بين ما جاء في القرآن الكريم وما اكتشفه العلم الحديث من علاقات وقوانين، بل وستجد صدى وأصول كل ذلك في القرآن الكريم، مادام مصدره خالق الأكوان، وكل شيء، وهو الأقدم منها جميعا، ومن المعروف أن الكثير من قوانين العلم الحديث وتطبيقاته في الفيزياء والكيمياء والجيلوجيا والرياضيات تمت معرفتها في نهاية القرن السادس عشر الميلادي وما تلاه في القرون الثلاثة والنصف الأخيرة، وبحسبة بسيطة نرى أن القرآن الكريم قد سبق اكتشاف تلك القوانين وتطبيقاتها وتفسيراتها ونظرياتها، بأكثر من ألف ومائة عام. ولأن القرآن الكريم حق لا يأتيه الباطل، ولم يتعرض إلى حذف أو زيادة، وأن الله عز وجل قد تعهد بحفظه، فإن كل حرف فيه يدل على حقيقة، وينبه إلى علاقة ما لتفسير هذا الكون الهائل، الذي نعيش فيه، ولتوضيح الأسرار التي قامت عليها الحياة منذ القديم، وسنوات خلق هذا الكون الكثيرة، والتي تصل إلى ستة عشر مليارا من السنوات.. وأربعة مليارات سنة منها لنشوء كرتنا الأرضية والحياة التي نراها اليوم. وللحديث بقية. · كاتب وصحفي faissalhassan@hotmail.com
