أحياء مجلس الخدمة ضرورة وطنية :: صباح علي الشاهر

أحياء مجلس الخدمة ضرورة وطنية

صباح علي الشاهر

تسابقوا برمتهم ورميمهم لإقرار إمتيازاتهم. هبوا كأسراب الجراد على إقتناص المنافع والمغانم. لقد أصبح العراق نهباً مشاعاً لهم، ولهم وحدهم.

سبع سنوات عجاف وهم يشرّعون القانون إثر القانون، ويصدرون القرار إثر القرار، وفي كل مرّة، وحيثما يكون القانون أو القرار لمصلحتهم، يُشرعن ويُقنون مصالحهم وإمتيازاتهم ومنافعهم، فإنه ياتي كاملاً شاملاً لا تشوبه نقيصة. يُقر بالإجماع بالبرلمان وبالتوافق الكلي في مجلس الوزراء أو مجلس الرئاسة. وحدها القوانين التي تمس الشعب وتنظم حياة الناس، فإنها تأتي دائماً ملتبسة، ناقصة، تحتاج إلى تعديل، حيث يُترك أمر هذا التعديل إلى فيما بعد، ودائماً لا يأتي الـ( فيما بعد هذا).

هل نسوا تشريعا ما يحدد إمتيازات النائب والوزير والرئيس ونوابه، سواء من حيث الراتب أو المنافع أو الإمتيازات، وأنواع وحدود هذه الإمتيازات، التي شملت حتى أبناء وبنات وزوجات وأمهات وآباء النائب أو الوزير، الذين باتوا يتمتعون بإمتيازات القادة، بما فيها حمل الجواز الدبلوماسي؟ وحيث أن هؤلاء بات لهم بالإضافة لإفراد الحماية خدم وحشم، فمن المؤكد أن خدمهم وحشمهم مثلهم مثل حماياتهم مشمولون بهذه الإمتيازات والمنافع.

الحق يُقال أنهم أكملوا كل مايلزم بهذا الجانب، بحيث وطنوا النفس منذ الآن على الإنتقال السلس من نعيم الوظيفة، نيابة أو وزارة، إلى نعيم ورفاه العطالة في ظل تقاعد منافعه ومنافع الخدمة سواء.

كل أولئك الذين أسهموا فيما سُمي بالعملية السياسية قد ظمنوا مستقبلهم ومستقبل عوائلهم، على أعلى مستوى ممكن، لم يكونوا يتخيلوا الوصول إليه ولا حتى في أحلامهم، فالسيد عضو مجلس الحكم، كما السيد الوزير الفاسد المرتشي، يتقاضون الآن أعلى الرواتب متجاوزين بأشواط راتب أعلى درجة في السلم الوظيفي، لأنهم ببساطة يتمتعون بوضع خاص، وبرواتب خاصة. إنهم إستثناء، والله وحده يعلم بأي شيء هم إستثناء!

قبل أكثر من أربع سنوات طالب كاتب السطور بضرورة إحياء مجلس الخدمة العامة، ثم أعاد طرح هذا الموضوع على شاشات التلفزيون. لم يكن الهدف من هذا المطلب وضع الحد لتلك الظاهرة التي إستشرت، ألا وهي شراء الوظيفة بالأخضر الطنان، حيث وصل ثمن الشرطي أربعة أوراق، وثمن المدير دفترين، وليس لمنع تحكم هذا الحزب الذي يتربع على هذه الوزارة أو تلك من حشر مُريديه ومُعاقيه، واحياناً مُتخلفيه، في مفاصل الوزارت التي كانت تضم كل شيء إلا الكفاءة، ليس لهذين السببين على أهميتهما فقط، وإنما لأمر أهم يتمحور حول ضرورة تثبيت وتكريس المؤسسات الوطنية، وإعلاء شأن المواطنة، خصوصاً وأن السعي كان جار بشكل محموم وعلى قدم وساق لتمزيق وتجزئة الوطن عبر تصعيد النبرة العرقية والطائفية.

بالعودة إلى آليات التعيين من خلال مجلس الخدمة العامة، تُكرّس قيم المساواة والعدل، وتكافؤ الفرص، و تُعطى الكفاءات حقها وتحتل مكانتها في إدارة شؤون الدولة، من أدنى وظيف عمومي إلى أعلاه بأستثناء الوظائف ذات الصبغة السياسية، وبهذا لا يتسنى للوظيفة السياسية مد ظلها على كامل الوزارة أو المؤسسة، ولا تستطيع جعل هذه الوزارة أو هذه المؤسسة تابعة لهذا الحزب أو ذاك، لهذه الطائفة أو تلك، بل أن هذه الوزارة وهذه المؤسسة ستظل وزارة ومؤسسة عراقية، تابعة للدولة، باقية ما بقيت الدولة، كائناً من كان وزيرها ومديرها، ولن تكون تابعة لنفوذ أي حزب أو طائفة أو عرق.

الوزارة والمؤسسة، بكامل عناصرها وتقنييها ستقوم بتنفيذ برنامج الوزير، هذا إذا كان لهذا الوزير برنامج أصلاً، ولكن سوف لن يكون بإمكان الوزير (مجسلة) الوزارة مثلاً، مثلما يصبح من المستحيل تبعيث أي وزارة أو مؤسسة، فشروط التبعيث إستلزمت من جملة ما إستلزمت إنهاء العمل بمجلس الخدمة العامة، وإحالة هذه المهمة للحزب عبر مجلس قيادة الثورة أو الوزراء، أو من يمثلهم.

وطنية الوزارة والمؤسسة العراقية، وليس حزبيتها، هو الذي يؤكد الإستمرارية، وتراكم الخبرات، والتطور والرقي، مما يضمن أعلى درجات المنفعة والخدمة للناس وللوطن، أما حزبية الوزارة والمؤسسة، فهي التي ستجعل هذه الوزارة وهذه المؤسسة عرضة للإجتثاث مع تغير أي وزير أو مدير مؤسسة، وبالتالي ستصبح هذه الوزارة وهذه المؤسسة مرتعاً للفساد والرشوة، وإنعدام الكفاءة، ووسطاً لإشاعة المحسوبية والمنسوبية، وبالتالي ستنحدر الوزارة والمؤسسة والعمل الوظيفي والأداري نحو الهاوية، وسيتعطل دورها، بل ستصبح مكتباً من مكاتب أي حزب، وجزءاً من الصراع والإحتراب، وربما يصل الأمر إلى حد إمتناع هذا المستشفى عن إستقبال هذا المريض لأنه من الحزب المختلف، أو امتناع هذه المدرسة عن قبول هذا التلميذ لأنه أبن الخصم الفلاني، وهذا ليس إحتمالاً ممكن الحدوث أم لا، وإنما هو واقع حصل على هذا النحو أو ذاك بفضل التقاسم الطائفي والعنصري والحزبي.

شيئان أساسيان لابد من التأكيد عليهما فيما يتعلق بإعادة العمل بمجلس الخدمة، الشيء الأول أن تشكيل المجلس ينبغي أن يكون بعيداً عن الحزبية والتحزب، شأنه في هذا شأن مؤسسات الدولة التي ينبغي أن تكون مستقلة كمجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية، والمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات.

أما الأمر الثاني فإن التعيين في مجلس الخدمة لا يتم من خلال قرار ذاتي يصدر من رئيس المجلس او أعضاء المجلس، وإنما يأتي التعيين عبر آلية محددة، تضمن المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، وهذه الألية تعتمد الإختبار التحريري بعد إكتمال الشروط المحددة، ومن ثم الإختبار الشفهي إذا كان عدد الناجحين في الإختبار التحريري أكثرر من العدد المطلوب، وهي نفس الآلية التي كان عليها مجلس الخدمة الوطنية بعد ثورة الرابع عشر من تموز.