الاتفاق بين شركتي شل وغاز الجنوب ... عقد شراكة أم هيمنة؟ أ.د. نبيل جعفر عبدالرضا
الاتفاق بين شركتي شل وغاز الجنوب ... عقد شراكة أم هيمنة؟ أ.د. نبيل جعفر عبدالرضا أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة قبل التطرق الى الموضوع الذي أثار جدلا محتدما ومايزال، الا وهو موضوع الاتفاق بين شركتي شل وغاز الجنوب في أيلول عام 2008، لابد لنا من تأشير حقيقة أساسية مفادها: ان الشركات النفطية الاجنبية النفطية التي عملت في العراق مايزيد عن نصف قرن لم تكن مهتمة لماذا تهتم شركة شل الهولندية البريطانية بالعراق؟ لان العراق يمتلك احتياطيا كبيرا من الغاز الطبيعي يصل الى 170و3 ترليون متر مكعب وهو ما يضع العراق بالمرتبة الرابعة عربيا والعاشرة عالميا. ولان العراق يمتلك بنية تحتية مناسبة لصناعة الغاز التي تنتج حوالي 6و2 مليار متر مكعب سنويا، فضلا عن الاهمية المتزايدة للغاز الطبيعي كمصدر للطاقة الذي يسهم بنحو ربع الطاقة المستهلكة في العالم، مما يقتضي تأمين إمدادات مستقرة من الغاز الطبيعي الى أوربا التي تستورد نحو 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا، ولاترتبط الاخيرة بعلاقات جيدة حاليا مع أوربا سيما بعد حربها مع جورجيا وكذا الحال بالنسبة لايران، أما قطر والجزائر فإنتاجهما موزع عالميا، ولذلك من المتوقع أن تصبح أوربا في غضون خمس سنوات أكبر مستهلك للغاز العراقي، والضمانه الوحيدة لاوربا كي تحصل على إمدادات منتظمة من الغاز العراقي أن تتعهد شركاتها بتوريد الغاز لاوربا، ولتحقيق ذلك ينبغي أن تكون شركاتها العملاقة شريك رئيس مع العراق في إنتاج الغاز وتوزيعه. لماذا إختارت شل شركة غاز الجنوب؟ لان البصرة تمتلك نحو 66 مليار برميل نفط كإحتياطي مؤكد وهو مايعادل 56% من احتياطي العراق النفطي كما تحتضن البصرة كميات هائلة من إحتياطي الغاز الطبيعي، ولان البصرة يوجد فيها شبكة أنابيب لنقل الغاز الطبيعي والمسال طولها 693 ميل (تعادل 45%من من إجمالي خطوط أنابيب الغاز في العراق) والتي تربط مناطق الانتاج بمراكز الاستهلاك الداخلي (محطات كهربائية ومصانع) ومنافذ التصدير سواء أكانت البرية أم البحرية، ومنها خط الانابيب الذي يربط الرميلة بالكويت والذي يبلغ طوله 106 ميل وبطاقة نقل مقدارها 400 مليون قدم مكعب يوميا وهو متوقف عن العمل منذ عام 1990 وبالامكان إعادة تشغيله بعد تأهيله وإصلاحه. فضلا عن ذلك فإن شركة غاز الجنوب رغم تقادم معداتها وعديد الصعوبات والمشكلات التي تواجهها كتعرض مصنع الغاز ومحطات كبس الغاز لاضرار فادحة الا أن هذه الشركة تنتج اليوم حوالي 234 مليون قدم مكعب يوميا من الغاز الجاف و956 طن يوميا من الغاز السائل و675 طن من الكازولين يوميا. ماهي المحاور الاساسية التي يتضمنها اتفاق المبادئ كما طرحتها وزارة النفط؟ الغاية: الارتقاء بصناعة الغاز العراقية وتعظيم المردود الاقتصادي للبلد. طبيعة الاتفاق: إقامة شراكة صناعية- تجارية تتمثل في إقامة شركة مشتركة بين شل وغاز الجنوب وبذلك تتحول الاخيرة من شركة تابعة للقطاع العام الى شركة مختلطة. المادة الخام: الغاز الطبيعي المصاحب الذي ينتج من حقول البصرة النفطية المنتجة حاليا والحقول المطورة مستقبلا. كميات الغاز المصاحب: 1100مليون قدم مكعب / يوم في الوقت الحاضر. 4000 - 5000 مليون قدم مكعب / يوم في المستقبل. الاستهلاك المحلي: 2500- 3000 مليون قدم مكعب / يوم. المنتجات الغازية: يتم تحويل الغاز الخام الى المنتجات الغازية اللآتية: 1الغاز الجاف. 2الغاز البترولي السائل. 3المكثفات (السوائل الهيدروكاربونية الخفيفة). 4الغاز الطبيعي المسال. تسديد حصة الشركاء: شركة غاز الجنوب: تساهم بموجوداتها ومنشآتها القائمة بعد تقييمها من طرف ثالث. شركة شل: إيداع الاموال النقدية بموجب حصتها في الشركة. شركاء آخرون: 1تم توقيع إتفاق مبادئ مع شركة نوفا بنيوني GE لتكون مقاول إستراتيجي للشركة المشتركة. 2المفاوضات مستمرة مع شركة ميتسوبيشي اليابانية لتكون شريك ثالث ضمن حصة شل. الايرادات: شركة شل تحصل على 49% من الارباح. العراق يحصل على عوائد بيع الغاز السائل زائدا الضرائب زائدا 51%من الارباح. معايير العمل: معايير شل في الادارة والتشغيل والصيانة وتنفيذ المشاريع وغيرها. العاملون: يستمرون في عملهم مع إمتيازاتهم الحالية. الاطار الزمني لتأسيس الشركة المشتركة: يتم إستكمال إجراءات التأسيس خلال سنة واحدة ويشمل التفاصيل المالية والادارية والقانونية وغيرها. الادارة مشتركة في مرحلة التأسيس: تقوم لجنة مشتركة بين الطرفين خلال مرحلة التأسيس بتشخيص واقرار شراء المعدات وتتحمل شل كلفة الشراء التي ستحتسب ضمن حصتها في الشركة لاحقا. نموذج الشركة المشتركة: سوف يعتمد نموذج الشركة المشتركة من قبل شركات اخرى خاصة شركة نفط الجنوب وشركة الحفر العراقية وناقلات النفط وشركات وزارة الصناعة. كيف تم التوصل الى الاتفاق: بداية عام 2008 تقدمت شل بمقترحات لاستثمار الغاز المصاحب في الجنوب ودخلت في مفاوضات مع وزارة النفط انتهت بتوقيع اتفاق المبادئ في 22/9/2008. تقييم إتفاق المبادئ بين شركتي شل وغاز الجنوب: 1إيقاف حرق 700 مليون قدم مكعب غاز مصاحب / يوم بالامكان ان ينتج منه مايلي: 4000 طن غاز سائل و320 ألف اسطوانة غاز طبخ و 700طن مكثفات. كما ان حرق هذه الكمية من الغاز يعني تلوث البيئة بمقدار 14 مليون طن من مادة ثاني أوكسيد الكربون في السنة، فضلا عن أن حرق الغاز يكلف العراق 10 مليون دولار يوميا. 2الاثر الايجابي المتمثل بزيادة الطاقة الانتاجية لمنتجات الغاز من جهة وايجاد مصادر تمويل جديدة للعراق من خلال صادرات الغاز والضرائب المفروضة على شركة شل والارباح الناجمة عن هذه الشراكة. 3ستكون الشركة الجديدة هي الجهة الوحيدة المحتكرة لتكرير كل انتاج الغازالطبيعي المصاحب المنتج حاليا من حقول البصرة النفطية والذي سينتج مستقبلا من الحقول المطورة لمدة 20 سنة، وليس من صلاحية أي جهة أخرى سواء أكانت حكومة مركزية أم محلية حق إبرام أي عقد مع أي جهة أخرى حول تطوير أو أستثمار الغاز من حقول الجنوب دون موافقة شل. 4بموجب الاتفاق الاولي ستقوم الشركة الجديدة بشراء الغاز الخام المنتج في الجنوب بالاسعار العالمية ثم تقوم الشركة بمعالجته وبيع منتجاته بالاسعار العالمية أيضا للسوق المحلية والسوق العالمية. ونتيجة لهذا الاتفاق ستفقد الصناعة العراقية وفي مقدمتها المصانع الاستراتيجة كالبتروكيمياويات والاسمدة والحديد والصلب والاسمنت قدراتها التنافسية القائمة على الوقود الرخيص لان الدولة حاليا توفر لها الغاز بسعر مدعوم لايزيد عن 12% من السعر العالمي، وعندما تلغي هذا الدعم لن تستطيع الصناعة العراقية منافسة مثيلاتها في دول الجوار وبالذات السعودية والكويت وايران الذين يبيعون الغاز لمؤسساتهم الصناعية باسعار مدعومة. كما ان ارتفاع سعر الغاز المورد الى المحطات الكهربائية سيزيد من المصاعب للصناعة العراقية فضلا عن الاضرار المباشرة التي ستلحق بالمواطن العراقي جراء الارتفاع الكبير المحتمل في فاتورة شراء غاز الطبخ والكهرباء. وقد تحاول الحكومة العراقية أن تتلافى هذه الآثار السلبية من خلال تحمل كلفة الفرق بين سعر الغاز المحلي والعالمي المجهز للاستخدامات الصناعية والمنزلية، وهذا ماسيفاقم الانفاق الجاري الحكومي ويزيد من أعباء الدولة، وربما ستكون كلفة هذا الخيار أكبر من الايرادات الناجمة عن عقد الشراكة بين شل وغاز الجنوب. 5اتفاق المبادئ يشكل مخالفة دستورية للمادة 109 من الدستور العراقي التي تنص على قيام الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، اذ أن الاتفاق تم دون علم الحكومة المحلية ومجلس محافظة البصرة. 6القوانين النافذة في العراق لاتجيز استثمار الاجانب في قطاع النفط والغاز، فالمادة 29 من قانون الاستثمار الرقم 13 لسنة 2006 يستثني الاستثمار الاجنبي في مجالي استخراج وانتاج النفط والغاز، كما لايوجد في البلاد حاليا قانون للنفط والغاز ينظم عمليات الاستثمار في القطاع النفطي. ومن الغريب حقا الايعرض هذا العقد وهو من العقود الاستراتيجية على مجلس النواب العراق، والاغرب منه ان البرلمان العراقي لم يطلع بعد على هذا الاتفاق. 7يبدو ان الادارة المشتركة بين شل وغاز الجنوب ستكون خلال مرحلة التأسيس فقط، واذا ماصح هذا الاستنتاج سينجم عنه عواقب وخيمة تتجلى بتحكم شل من خلال ادارتها للشركة الجديدة بحسابات الكلف التشغيلية والاستثمارية وبالتالي حسابات الارباح الذي ستتحكم به شل وتحدد بموجبه حصة العراق. 8يعمل في شركة غاز الجنوب أكثر من 3000 إداري وفني وهو مايلقي ظلالا من الشك حول بقائهم في الشركة الجديدة لاسيما وانها ستعتمد معايير شل في العمل، وذا ماحصل ذلك وهو الارجح فإن البطالة ستطال معظمهم وستتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. 9عقد الشراكة الجديد يعني بإختصار خصخصة أحد أهم الشركات في الصناعة النفطية العراقية ويعني أيضا تنازل العراق عن نصف ثروة الجنوب الغازية لمصلحة شل. 10- المشاكل الناجمة عن وجود تداخل بين فعاليات الشركة الجديدة وفعاليات شركات تطوير الحقول النفطية في البصرة وشركة خطوط الانابيب. 11- تم إبرام العقد الاولي بإسلوب التفاوض وليس بإسلوب الاعلان والمنافسة وبالتالي لم يترك مجالا لمنافسة شركات متخصصة اخرى. 12- ستستثمر شل مابين 3-4 مليار دولار في قطاع الغاز العراقي خلال مدة خمس سنوات، وهذا المبلغ كان يمكن تمويله من الموازنة العامة للعراق التي تزيد عن 70 مليار دولار، ولو فعل العراق ذلك لتمكن من استدراج شركات أجنبية متخصصة من خلال عقود المقولات أو عقود الخدمة (كما في الكويت) بدلا من العقد الحالي (تقاسم الانتاج) الباهض الكلفة. 13- بسبب الآثار البالغة الخطورة على الاقتصاد والمجتمع العراقي التي ينطوي عليها هذا الاتفاق فإن الضرورة تقتضي إعادة النظر به واخضاعة للدراسة والتمحيص ليس من قبل وزارة النفط فحسب وانما من قبل الوزارات الاخرى أيضا سيما وزارتي الكهرباء والصناعة وان يعرض الاتفاق بعد ذلك على البرلمان العراقي.
باستثمار الغاز العراقي، لذلك فصناعة الغاز العراقية هي عراقية النشأة والتكوين والادارة والتمويل، تعود بداياتها الى عقد الستينات من القرن الماضي عندما تم تنفيذ مشروع تحلية الغاز ومد شبكة انابيب الغاز لمصنع التاجي للغازات الصناعية في بغداد، مرورا بتنفيذ مشروعي غاز الشمال وغاز الجنوب في نهاية عقد السبعينات. فضلا عن ذلك فإن العراق يمتلك شبكة مهمة من انابيب الغاز التي تربط شمال العراق بجنوبه كما تربطه بمنافذ التصدير البرية والبحرية إذ تمتد أطوال شبكة أنابيب الغاز العراقية الى نحو 1527 ميل.
