مرور 400 سنة على تهجير الاندلسيين من ديارهم (1609 – 2009) :: د . خلف المنشدي

image

أدى سقوط الدولة المرابطية وقيام دولة الموحدين إلى إحداث فراغ سياسي وعسكري كبير قاد إلى خلل خطير في وضع الأندلس فبينما كان الموحدون (1145 – 1223)م يحاولون تثبيت أقدامهم في المغرب والأندلس على أنقاض الدولة المرابطية. كان الفونسو الثامن الملقب بالنبيل يجمع ويوحد جيوش إمارات شبه جزيرة ايبريا تحت قيادته بالإضافة إلى جيوش من فرنسا وأوربا، فقد وحدت قشتالة وأرغون وطليطلة جهودها وهي ترقب تطورات المغرب وما يجري في جنوب شبه جزيرة ايبريا باعتبار ذلك يشكل فرصة العمر للانقضاض على دويلات الطوائف العربية، لان تلك الجيوش وطيلة وجود الدولة المرابطية التي استمرت قرابة 36 سنة لم تحقق أي خرق كبير شكل سببا مباشرا في انهيار الأندلس، وكانت معركة (الارك) الأولى التي خاضتها جيوش الموحدين قد حققت انتصارا باهرا لهم، غير ان التقاء هذه الجيوش مرة أخرى بقيادة الخليفة ألموحدي محمد الناصر لدين الله عام 1212 في معركة سميت بمعركة (العقاب) نسبة لبرج مراقبة عربي يطل على سهل قرية تسمى (نافاس دي تولوسا) إلى الشمال من مدينة جيان (خايين) الأندلسية انتهت بهزيمة مدوية لجيوش الموحدين والإمارات الأندلسية حيث كان لنتائجها ابلغ الأثر على وجود الدولة الأندلسية بكاملها إذ تساقطت إمارات تلك الدولة في السنين التالية الواحدة تلو الأخرى كأحجار الشطرنج، مما يطلق عليه في التاريخ الاسباني معارك الاسترداد، إذ احتل ملك قشتالة فرناندو الثالث قرطبة في 29 حزيران عام 1236 ثم سقطت بيده جيان (خايين) عام 1246 وبعدها اشبيلية عام 1248، بينما قام ملك اراغون خيمة الأول باحتلال جزيرة مايورقا (مايوركا) بمساعدة الايطاليين عام 1229 ثم استولى على بقية جزر البليار، لكنه سجل انتصاره المدوي عندما احتل بلنسية عاصمة شرق الأندلس عام 1238 وبعدها بخمسة سنوات سقطت مرسية (مرسيا) بيده أيضا، وقد أدى هذا الغزو من الممالك الشمالية الأيبيرية لدويلات الأندلس إلى موجة هجرة كبيرة لسكانها إلى الإمارات الأخرى التي لم تزل بيد حكامها الأندلسيين، أو إلى خارج الأندلس: المغرب، تونس، الجزائر، مصر ودمشق وحتى إلى أمريكا الجنوبية، فقد تطوع هؤلاء في حملات البحث عن الذهب للخلاص من الاضطهاد والعبودية والبعض الآخر التحق بجيش سلطان فاس وساهموا في السيطرة على (تمبكتو)، لكن الغالبية العظمى منهم استقرت في مدن الدول المغاربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط بينما تعرض الكثير ممن بقوا من أبناء الشعب الأندلسي أما للقتل والإبادة أو للاسترقاق والعبودية أو في أحسن الأحوال للتنصر وتغيير حتى أسمائهم وألقابهم العربية.

 وما يعنينا اليوم هنا ليس الحديث عن أسباب ومسببا سقوط دولة الأندلس وإنما الحديث عن ذلك الشعب المميز الذي توالد على تلك الأرض مدة تزيد عن 700 سنة، ففي هذا العام 2009 يكون قد مرت على عملية تهجيره ألقسرية 400 سنة تقتضي وقفة منا عندها لتبيان تلك المظالم التي تعرض لها هؤلاء على أيدي ملوك الإمارات الاسبانية والكنيسة والذين لم يحفظوا المواثيق التي وقعوا عليها مع آخر ملك عربي (أبو عبدالله الصغير ) آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة عندما سلم إمارته للملوك الكاثوليك: (فرناندو) و (إيزابيل)، بعد الحصار الطويل لها.

لا يعرف احد من الناس على وجه الدقة عدد أبناء الشعب الأندلسي الذين تم طردهم من بلادهم بموجب المراسيم الملكية التي أصدرتها الملكة إيزابيل ونفذها رجال الكنيسة المتعصبون كما لا يعرف احد من الناس على وجه الدقة عدد الذين تركوا ديارهم في بقية إمارات الأندلس إلى خارجها قبل اتفاقية غرناطة التي وقعت بعد 226 سنة من الهزيمة التي لحقت بغالبية الإمارات الأندلسية إذ من المعلوم ان غرناطة بقيت تنتظر اجلها كل هذه السنين إمارة عربية وحيدة قائمة وسط الإمارات المسيحية الأيبيرية، وعلى الرغم من ان الوثائق التاريخية الاسبانية تشير إلى ان عددهم كان بحدود نصف مليون إنسان فان هذا الرقم يعتبر متواضع جدا إذا ما عدنا إلى حجم سكان الإمارات الأندلسية قبل سقوطها بيد ملوك الشمال وعدد الذين تركوها مرغمين إلى خارج شبه الجزيرة الأيبيرية، كما ان المؤرخين العرب المعاصرين لتلك المحنة حدثونا عن رقم يصل إلى 3 ملايين إنسان أو أكثر من المهاجرين الأندلسيين الذين وصلوا بلدان المغرب وربما هذا الرقم هو الأقرب إلى الواقع إذا ما عدنا لعدد سكان كل إمارة من تلك الإمارات في عهد ازدهارها والتي أشارت لها كتب المؤرخين المعاصرين لتلك الفترة بعد ان نضع باعتبارنا عدد الذين قتلوا من الأندلسيين في ثوراتهم المتواصلة او الذين تم استعبادهم حيث تعجب الرحالة الفرنسي برونل الذي زار قشتالة عام 1655 من العدد الهائل للعبيد الأندلسيين في هذه المملكة وبعض المؤرخين يقدر عدد هؤلاء بأكثر من 50 الفا يضاف لهم اؤلئك الذين تدجنوا وغيروا دينهم وأسمائهم وهؤلاء من اختلطت دمائهم بدماء السكان الآخرين ومنهم توالدت أجيال كثيرة وكبيرة لا زالت تحترم هذا الإرث إلى اليوم .

وعلى الرغم من ان محنة الأندلسيين لم تبدأ بسقوط غرناطة وإنما بقرون طويلة سابقة الا ان سقوط غرناطة حول قضيتهم إلى قضية رسمية، ففي عام 1482 استولى أبا عبد الله محمد الملقب بالصغير على السلطة في غرناطة بانقلاب على والده الملك علي ابي الحسن ويبدو ان هذا الانقلاب تم بتحريض من الملكة ازابيل لان ملك غرناطة رفض دفع الجزية وتحدى الملكة إيزابيل بالقول: ان ملوك غرناطة الذين تعودوا على دفع الجزية قد ماتوا وان دار السك لا تنتج إلا السيوف هذه الأيام، ولكي يكتمل المشهد التراجيدي وقع الصغير أسيرا بيد جنود الملكة إيزابيل فاستولى عمه على السلطة لكن الملكة إيزابيل عمدت عام 1485 إلى إطلاق سراح الصغير لكي يطالب عمه بإعادة السلطة له فاندلعت الحروب بينهما مما أدى إلى إضعاف غرناطة وحتى تقسيمها حيث أصبح حصار ما تبقى من غرناطة لجيوش قشتالة أكثر يسرا وسهولة، وبعد حوالي ستة سنوات من هذا التاريخ وبعد مفاوضات سرية كان قد بدأها الصغير أثناء أسره واستكملها ملكا على غرناطة تم تسليم المملكة الزاهية العظيمة في الثاني من كانون الثاني عام 1492 إلى الملكة إيزابيل بعد التوقيع على اتفاقية تنص على تعهد صريح وقوي من الملكة بالحفاظ على سكان غرناطة وعلى أموالهم وإطلاق سراح الأسرى منهم واحترام معتقداتهم الدينية والثقافية والسماح لمن يريد المغادرة وعدم إجبار أي منهم على تغيير دينه وبالطبع حصل الصغير على ارض يستقر بها في قرية اندريش بالقرب من جبال البشرة (البخاره) وكان أول نقض لذلك التفاهم المذل هو الطلب من الملك الصغير عام 1493 أي بعد عام واحد من تسليمه مملكة غرناطة المغادرة،حيث رحل على الفور إلى العدوة واستقر في مدينة فاس حتى وفاته عام 1518، ويحضرنا هنا ما قالته عائشة ام الصغير وهو يغادر جبال البخاره مطلا على قصر الحمراء حزينا باكيا:

                           ابك مثل النساء ملكا مضاعا                  لم تحافظ عليه مثل الرجال

لم تحترم الملكة إيزابيل ولا الحكام او رجال الكنيسة الذين عينتهم لإدارة مملكة غرناطة شروط الاتفاق ابدا وسمحت لرجال الكنيسة بحملة تنصير بالقوة لشعب غرناطة مما دفع الأندلسيون لإعلان الثورة في البشرة  (البخاره) والجبل الأحمر فأصدرت عام 1502 مرسومها الشهير الذي خير الأندلسيين بين التنصر او الرحيل ومن لم يتعمد بعد يجب طرده، وفي موجة الطرد الأخيرة هذه رحل أكثر من 300 ألف أندلسي واستعبد من تبقى وتم حرق المساجد والمخطوطات التي حملت ثقافة الأندلس بأمر من رجال الكنيسة المتعصبين وحتى الذين تنصروا لم ينجوا من الملاحقة والعقاب للشكوك التي كانت تحيط بحقيقة تغيير ديانتهم ومن غادر من هذه الفئة الاخيرة الى العدوة تعرض للاحتقار على يد أبناء جلدته.

لقد انتعشت مدن الدول المغاربية بوصول هؤلاء ولاقوا الترحيب من سكان المدن المغاربية وبعضهم من شدة حنينه إلى بلده الأصلي عاد اليها بطريقة سرية، وفي القرن السابع عشر أقام هؤلاء في مدينة سلا المغربية المحاذية للرباط جمهورية صغيرة اعتمدت على القرصنة في البحر ومعظم هؤلاء الذين ساهموا في تلك القرصنة كانوا من المهجرين من مناطق (اكستريمادورا) المحاذية للبرتغال حيث دوخوا البحرية الاسبانية والفرنسية والبريطانية خلال فترة نصف قرن.

 مأساة الأندلسيين لم تنته فقط بحمامات الدم التي اقامها لهم ملوك قشتالة (كاستيا) ورجال كنيسة روما الذين أصيبوا بلوثة محاكم التفتيش والمحارق وقطع الرؤوس والمذابح المروعة، واجتثاث الأندلسيين عن بكرة أبيهم بدوافع دينية دنيئة صرفة سكتت عنها كنيسة روما إلى اليوم اذ في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر أيلول من عام 1609 وعندما كانت اسبانيا محكومة من الملك فليبة الثالث صدر أمر بتهجير ما تبقى من أهل الأندلس نهائيا حيث تم ترحيل ما يزيد عن نصف مليون مواطن (موريسكي) من ديارهم الى خارج شبه الجزيرة الأيبيرية ضاربا عرض الحائط بالاتفاقية التي تم التوقيع عليها ما بين (ابو عبد الله) الصغير وملوك اسبانيا الكاثوليك: فرناندو الكاثوليكي وإيزابيل الكاثوليكية والتي تعهد بها ملوك قشتالة احترام المعتقدات الدينية للمواطنين الأندلسيين وعاداتهم وتقاليدهم مقابل احترام وخضوع هؤلاء لسلطة ملوك اسبانيا حيث لم تحترم هذا الاتفاق السلطات السياسية والكنسية وحتى الذين تنصروا  ممن يسمونهم بالمدجنين كانوا على الدوام محل شك وريبة.

مناسبة الحديث عن شعب الأندلس اليوم هي ان هجرة هذا الشعب المميز تكمل هذه السنة 2009 اربعة قرون بالتمام والكمال ومن الواجب هنا تذكير السلطات الاسبانية التي اعتذرت قبل بضع سنوات لليهود الذين هجروا من شبه جزيرة ايبيريا على يد ملوك شبه الجزيرة القدماء بوجوب الاعتذار لمواطنيها (لأحفادهم) المنتشرين في معظم أصقاع الأرض وبالخصوص في المغرب وبقية الدول المغاربية لان هذا الاعتذار قد يزيح عن كاهل اسبانيا الحالية ورثة تلك المظالم الجائرة كما انه من الضروري ان تعمد كنيسة روما لاعتذار مماثل لان زعاماتها في ذلك العصر كانت هي المحرك الأساس لملوك شبه الجزيرة الأيبيرية في ان يرتكبوا كل ما ارتكبوا من إجرام باسم الدين في اغلب الأحيان.

------------------------

جميع الصور المنشورة تم التقاطها بعدسة الكاتب




 قصر الحمراء من الداخل


رسم فريد لملوك الاندلس في سقف صالة من صالات قصر الحمراء


 صورة لمدينة غرناطةمأخوذة من قصر الحمراء


 قيصرية البيازين في غرناطة


الطريق الى نافاس دي تلوسا

قرية نافاس دي تولوسا حيث جرت معركة العقاب الشهيرة